ابن الأثير

405

الكامل في التاريخ

صوريّ . وكان يكرم العلماء وأهل الدين ويعظّمهم ويعطيهم ويقوم إليهم ويجلسهم معه ، وينبسط معهم ، ولا يردّ لهم قولا ، ويكاتبهم بخطّ يده ، وكان وقورا مهيبا مع تواضعه ، وبالجملة فحسناته كثيرة ومناقبه غزيرة لا يحتملها هذا الكتاب . ذكر ملك ولده الملك الصالح لمّا توفّي نور الدين قام ابنه الملك الصالح إسماعيل بالملك بعده . وكان عمره إحدى عشرة سنة ، وحلف له الأمراء والمقدّمون بدمشق ، وأقام بها ، وأطاعه النّاس بالشام وصلاح الدين بمصر ، وخطب له بها ، وضرب السكّة باسمه ، وتولّى تربيته الأمير شمس [ الدين ] محمّد بن عبد الملك المعروف بابن المقدّم ، وصار مدبّر دولته ، فقال له كمال الدين بن الشّهرزوريّ ولمن معه من الأمراء : قد علمتم أنّ صلاح الدّين صاحب مصر هو من مماليك نور الدّين ونوّابه أصحاب نور الدين ، والمصلحة أن نشاوره في الّذي نفعله ، ولا نخرجه من بيننا فيخرج عن طاعتنا ، ويجعل ذلك حجّة علينا ، وهو أقوى منّا ، لأنّه قد انفرد اليوم بملك مصر ، فلم يوافق هذا القول أغراضهم ، وخافوا أن يدخل صلاح الدين ويخرجهم ، فلم يمض غير قليل حتى وردت كتب صلاح الدين إلى الملك الصالح يعزّيه ويهنّئه بالملك ، وأرسل دنانير مصريّة عليها اسمه ويعرّفه أنّ الخطبة والطاعة له كما كانت لأبيه . فلمّا سار سيف الدين غازي ، صاحب الموصل ، وملك البلاد الجزريّة ، على ما نذكره ، أرسل صلاح الدين أيضا إلى الملك الصالح يعتبه حيث لم يعلمه قصد سيف الدين بلاده وأخذها ، ليحضر في خدمته ويكفّ سيف الدين ، وكتب إلى كمال الدين والأمراء يقول : لو أنّ نور الدين يعلم أن فيكم من